هل يتحمل الاقتصاد الإيراني تداعيات الصراع المرتقب؟

الاقتصاد الإيراني

تواجه إيران مرحلة حرجة في الوقت الرهن، وتصنع الأزمات السياسية في المنطقة مزيداً من الضغط على الاقتصاد الإيراني المتأزم بالفعل بسبب العقوبات الدولية المفروضة على البلاد.

يعيش الإيرانيون حالة من القلق بشأن القرارات الحكومية المتوقعة ردًا على اغتيال إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، وتأثيرها على الأوضاع الاقتصادية في البلاد، ففي حال تفاقم الصراع إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع إسرائيل، فإن الاقتصاد الإيراني قد يواجه تداعيات وخيمة، ليصبح السؤال كيف ستتمكن إيران من الموازنة بين تحديات الداخل وضغوط الخارج دون أن تدخل في مواجهة جديدة قد تكلفها الكثير على الصعيد الاقتصادي ؟.

الاقتصاد الإيراني

الاقتصاد الإيراني يعاني من ضغوط متعددة، بدءًا من العقوبات الاقتصادية الدولية المفروضة من قبل الولايات المتحدة، وصولاً إلى الأزمات الهيكلية والمالية الداخلية، وتشهد البلاد زيادة حادة في أسعار الغذاء والإسكان والرعاية الصحية والنقل، في ظل بقاء الأجور منخفضة، مما ساهم في ارتفاع معدلات الفقر.

يقول الدكتور محمد خيري الباحث في الشؤون الإيرانية، تُعتبر العقوبات الدولية من أبرز العوائق التي تقيد نمو الاقتصاد الإيراني، حيث تؤثر بشكل مباشر على قطاعات حيوية مثل النفط، مما يؤدي إلى تقليص الإيرادات وتدهور قيمة العملة المحلية، علاوة على ذلك، تواجه طهران مشكلات مالية تتعلق بالديون والتضخم، مما يؤثر سلبًا على القدرة الشرائية للمواطنين ويزيد من حدة الأزمات الاقتصادية.

وأكد الباحث في الشؤون الإيرانية، أن دخول إيران في أي حروب سيزيد من معاناة الاقتصاد الإيراني المنهار بالفعل، حيث يعاني من ارتفاع معدلات التضخم، وتراجع قيمة الريال الإيراني أمام الدولار، علاوة على التكلفة التي تكبدها نتيجة الصراعات والحروب في المنطقة، والتي  كلفت إيران مليارات الدولارات.

وأضاف الباحث في تصريحات خاصة لموقع Econ-Pedia : يتحمل الاقتصاد الإيراني  تكاليف الأزمات مع دول الجوار والدول الأوروبية، بسبب الملف النووي وعلاقاتها  المتوترة مع الولايات المتحدة، وكلها عوامل لها تأثير سلبي على الاقتصاد، بالإضافة إلى زيادة الإنفاق على عدة  مشاريع غير اقتصادية والتي لا تحقق عوائد مالية للاقتصاد أو للشعب الإيراني.

الصراع المسلح

وتابع خيري، وفي ظل الأزمات الحالية وتزايد المخاوف من صراع مسلح، يواجه الاقتصاد الإيراني تحديات جسيمة قد تؤدي إلى تفاقم الأزمات الاقتصادية القائمة، وقد يجد نفسه في مواجهة أعباء ثقيلة نتيجة الآثار المترتبة على حرب محتملة، مما يستدعي استجابة حازمة وسريعة من الحكومة الإيرانية لمواجهة هذه التحديات وحماية استقرار الاقتصاد الوطني.

وأشار خيري، إلى مخاطر استمرار العجز في الميزانية وغياب الاستثمارات الأجنبية، مما يضعف  جهود التعافي الاقتصادي الذي  يتطلب وضعًا سياسيًا مستقرًا في الداخل والخارج.

سبق وحذر صندوق النقد الدولي من ارتفاع قياسي في معدلات التضخم في إيران بسبب العقوبات الأميركية، وضعف العملة والعقوبات الأميركية على صادرات النفط.

معدلات التضخم

وقد تصل معدلات التضخم في إيران إلى 50% هذا العام بعد تحرك الولايات المتحدة لإنهاء الإعفاءات الممنوحة لبعض الدول التي تشتري النفط الإيراني، وقد كان الصندوق قد توقع سابقًا أن تصل معدلات التضخم للعام الجاري 2024 في إيران إلى 37%.

وقد ظلت معدلات التضخم تحوم حول 40% أو أعلى لعدة سنوات، رغم تباطؤها قليلاً في الأشهر الأخيرة، وقد أثر هذا التضخم المرتفع على كل جانب من جوانب الاقتصاد، انخفض التضخم إلى رقم أحادي في العامين اللذين أعقبا توقيع إيران على الاتفاق النووي في عام 2015 مع القوى العالمية، حيث أدى رفع العقوبات إلى تعزيز التجارة والاستثمار والسياحة، لكنه عاد للارتفاع إلى مستويات قياسية بعد انسحاب ترامب من الاتفاق

جهود خفض التضخم

ومن جانبه أكد الدكتور عبدالرحمن طه، خبير الاقتصاد الرقمي، أن تفاقم الأوضاع الجيوسياسية الإقليمية يزيد من الضغوط الاقتصادية على إيران، كونها تطل على منطقة آسيا الوسطى ومنطقة الشرق الأوسط، وكلا المنطقتين تشهدان نزاعات وصراعات جيوسياسية، هذا بالإضافة إلى العقوبات الاقتصادية المفروضة جراء البرنامج النووي الإيراني.

وأشار طه في تصريحات خاصة لموقع Econ-Pedia إلى أن الجهود المبذولة لخفض التضخم إلى أدنى مستوى له في عامين، حيث وصل في يناير من العام الجاري إلى 38.5%، قد توشك على الذهاب أدراج الرياح، خاصة مع تصاعد احتمالية قيام حرب إقليمية في منطقة الشرق الأوسط

وتشير  البيانات المتاحة إلى ارتفاع معدل التضخم في إيران إلى أعلى مستوى له في 3 أشهر في يونيو، إذ ارتفع معدل التضخم السنوي إلى 31.9% في يونيو من عام 2024 مقارنة بـ31% في الشهر السابق.

ويعزى ذلك في الغالب إلى ارتفاع تكلفة المواد الغذائية والمشروبات غير الكحولية بنسبة 25.8% مقابل 22.7% في مايو، والتي استمرت في الارتفاع للشهر الرابع على التوالي.

ومن بين المساهمين الآخرين في هذه الزيادة قطاع الإسكان والمياه والكهرباء والغاز وأنواع الوقود الأخرى بنسبة 41.2% مقابل 41.8%، وقطاع النقل بنسبة 21.7% مقابل 26%، وقطاع الصحة بنسبة 33.2% مقابل 30.3%، وقطاع الملابس والأحذية بنسبة 34.1% مقابل 35.5%، وقطاع المفروشات والمعدات المنزلية بنسبة 25.5% مقابل 27%.

ويلمح طه إلى أنه وعلى أساس شهري، ارتفعت أسعار المستهلكين بنسبة 2.7%، وهي نفس وتيرة شهر مايو، وفي حالة استقرار الأوضاع وعدم نشوب حروب إقليمية، فقد يساعد ذلك في خفض التضخم.

العقوبات على الاقتصاد الإيراني

وتقول الدكتورة مروى خضر الخبيرة الاقتصادية، يواجه الاقتصاد الإيراني تحديات جسيمة ومستقبلًا غير واضح بسبب عدة عوامل تتداخل بشكل معقد، بما في ذلك العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، الأوضاع السياسية الداخلية، وتأثيرات جائحة كوفيد-19، ومع ذلك هناك جوانب قد تسهم في تشكيل مستقبل الاقتصاد الإيراني بشكل إيجابي أو سلبي.
وأكدت في تصريحات خاصة لموقع Econ-Pedia خضر على أن العقوبات الاقتصادية الدولية، خاصة تلك المتعلقة بقطاع النفط، تشكل ضغطًا هائلًا على الاقتصاد الإيراني، لاسيما اعتماد إيران بشكل كبير على عائدات النفط لتمويل جزء كبير من ميزانيتها الوطنية، ومع فرض القيود على صادرات النفط، تواجه الحكومة صعوبة في تمويل المشاريع العامة ودفع رواتب الموظفين الحكوميين.

من ناحية أخرى، يواجه المواطنون الإيرانيون مشكلات كبيرة مثل التضخم وارتفاع الأسعار، حيث أدى انخفاض قيمة الريال الإيراني بشكل حاد إلى تراجع القدرة الشرائية وزيادة تكلفة الواردات، مما زاد من حدة التضخم.

فرص التحول في الاقتصاد الإيراني

وترى الخبيرة أنه على الرغم من هذه التحديات، يملك الاقتصاد الإيراني إمكانيات غير مستغلة قد تساهم في تطوره، وتمتلك إيران موارد طبيعية أخرى مثل الغاز الطبيعي والمعادن التي يمكن أن تكون بديلاً للنفط إذا تم استغلالها بفعالية، كما تمتلك قاعدة صناعية متنوعة وقدرات بشرية مؤهلة، مما يتيح لها تطوير قطاعات أخرى مثل التكنولوجيا والزراعة.

وشددت الخبيرة على ضرورة تحسين العلاقات الدبلوماسية مع الدول الغربية، والتي قد يكون لها تأثير كبير على الاقتصاد الإيراني، إذا تم التوصل إلى اتفاقيات جديدة تعيد دمج إيران في الاقتصاد العالمي، وقد يؤدي ذلك إلى رفع العقوبات وفتح أبواب الاستثمارات الأجنبية.
وفي السنوات الأخيرة، عززت إيران علاقاتها الاقتصادية مع الدول الآسيوية، مثل الصين وروسيا، في محاولة لتجاوز العقوبات الغربية، والتعاون مع الصين في مبادرة \”الحزام والطريق\” قد يوفر للإيرانيين فرصًا جديدة من خلال الاستثمار في البنية التحتية وتطوير القدرات الإنتاجية.

مستقبل الاقتصاد الإيراني

حقق الناتج المحلي الإجمالي لإيران نموًا بنسبة 5% العام الماضي، لكن من المتوقع أن يتراجع هذا النمو إلى 3.2% خلال العام الحالي، و2.7% في العام المقبل، و2.4% في عام 2026. في ضوء هذه الأرقام، تواجه إيران حاجة ملحة لإجراء تحول استراتيجي في تدخلاتها العسكرية الخارجية لتجنب المزيد من تدهور الاقتصاد.

وأكدت خضر على أن استمرار إيران في تدخلاتها العسكرية الواسعة عبر أذرعها في الخارج قد يؤدي إلى زعزعة استقرارها الداخلي، فعلى الجانب الاقتصادي، يعتمد اقتصاد إيران على النفط والموارد الطبيعية الأخرى، ولكن المواطنين الإيرانيين يعانون من فقر وضعف مالي واضح، وبلغ الناتج المحلي الإجمالي لإيران  403.5 مليار دولار في العام الماضي، وهو أقل بكثير من السنوات السابقة، كما أن هناك تباينًا كبيرًا بين أسعار الصرف الرسمية والسوقية، مما يعكس تدهورًا إضافيًا في الاقتصاد.

قطاع النفط

شهدت أسعار النفط الدولية انخفاضًا مستمرًا منذ عام 2023، مع انخفاضات متتالية في أسعار النفط خلال اجتماعات \”أوبك+\”، مما يعرض الاقتصاد الإيراني لمزيد من التحديات، كما أن التطورات العالمية في مجال الطاقة الجديدة والمركبات الكهربائية قد تؤدي إلى تقليص الطلب على النفط، مما يعقد من وضع إيران الاقتصادي.
ولتجنب الانهيار الاقتصادي، لفتت الخبيرة إلى ضرورة توجيه القيادة الإيرانية مواردها نحو تعزيز الاقتصاد المحلي وتحسين معيشة المواطنين، بدلاً من دعم الأذرع العسكرية في المنطقة

تداعيات محتملة للحرب

إذا اندلعت حرب مباشرة مع إسرائيل، فإن آثارها ستكون كارثية على الاقتصاد الإيراني من المتوقع أن تشمل التداعيات:

تدمير البنية التحتية الحيوية: قدرة إسرائيل على توجيه ضربات دقيقة قد تدمر البنية التحتية الإيرانية، مما يزيد من معاناة الاقتصاد.
تصعيد العقوبات الاقتصادية: من المحتمل أن تؤدي الحرب إلى فرض عقوبات اقتصادية أشد، مما سيزيد من عزلة إيران ويحد من قدرتها على تمويل احتياجاتها الأساسية.
انهيار العملة المحلية وارتفاع التضخم: حرب مفتوحة قد تؤدي إلى انخفاض حاد في قيمة الريال الإيراني وارتفاع التضخم، مما سيزيد من الفقر والبطالة.
تعطل الصادرات النفطية: قد يؤدي الهجوم على المنشآت النفطية إلى نقص حاد في الإيرادات الحكومية.
تكلفة الحرب والمجهود الحربي: تخصيص موارد هائلة للمجهود الحربي سيأتي على حساب الاستثمار في التنمية الاقتصادية.
زيادة التوترات الداخلية: من المتوقع أن تزداد التوترات الداخلية، مما قد يؤدي إلى اضطرابات اجتماعية واسعة.
انعكاسات سلبية على التجارة الإقليمية والدولية: ستؤدي الحرب إلى مزيد من العزلة وتأثيرات سلبية على التجارة الدولية.
فقدان الاستثمارات الأجنبية: الحرب ستجعل إيران بيئة غير مستقرة، مما سيؤدي إلى فقدان الاستثمارات الأجنبية.

وأخيرًا اتفق الخبراء، على أن تورط إيران في حرب مع إسرائيل سيؤدي إلى تدمير واسع لاقتصادها، الذي يعاني بالفعل من ضعف هيكلي وعقوبات دولية مشددة، وأن التكاليف الاقتصادية للحرب ستكون هائلة، وقد تدفع البلاد إلى حافة الانهيار الاقتصادي والاجتماعي، لذلك قد يكون من الضروري لإيران إعادة النظر في سياساتها الخارجية .

إقرأ أيضاً : هل يحتمل الشرق الأوسط تداعيات حرب شاملة

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضا على صفحتنا على انستغرام

ابق على اطلاع بآخر الأخبار والتحديثات من Economy Pedia من خلال الاشتراك في النشرة الإخبارية لدينا!

اشترك الآن

Discover more from Economypedia

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading